الشيخ محمد رشيد رضا
55
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
عمر قال لقد « حرمت الخمر وما بالمدينة منها شيء » وهذه العبارة مبهمة لا يعرف لمن قالها وبأي مناسبة قالها ، فيحتمل ان يكون بعض الناس قد ذكر خمرة العنب فقال ابن عمر ما معناه ان الخمر لما حرمت لم يكن يوجد في المدينة شيء من خمرة العنب وانما كانت خمور أهلها من التمر والبسر في الغالب . ويحتمل ان يكون معنى كلامه ان اللّه حرم الخمر ولأجل هذا لا يوجد في المدينة منها شيء . وبهذا يجمع بين سائر الأحاديث والآثار التي تقدم بعضها حتى عنه وعن أبيه ، والا كانت متعارضة ، ولما كانت العبارة محتملة لعدة وجوه سقط الاستدلال بها على ما قالوه . ولا يمكن الجمع بينها وبين ما عارضها بحمل ما خالفها على المجاز ، لان تلك العبارات تأبى أن تكون تشبيها كقول عمر في خطبته : ونزل تحريم الخمر وهي من خمسة - العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير ، والخمر ما خامر العقل . فهل يمكن ان يقال نزل تحريم خمرة العنب وهي من خمسة أشياء الخ ؟ أم يمكن أن يقال : نزل تحريم ما يشبه الخمر في الاسكار وهو من خمسة أشياء العنب والتمر ؟ ألا إن هذا لا يقوله أحد يفهم العربية ، وان كان يجيز الجمع بين الحقيقة والمجاز ، وهو ما لا يجيزه الحنفية . أطلنا هذه الإطالة في بيان حقيقة الخمر ، لأنه قد ظهر في الناس من عهد بعيد مصداق ما ورد في الحديث من استحلال أناس لشرب الخمر بتسميتها بغير اسمها . وقد اخترع الناس بعد زمن التنزيل أنواعا كثيرة من الخمور أشد من خمرة العنب ضررا في الجسم والعقل باتفاق الأطباء ، وأشد ايقاعا في العداوة والبغضاء ، وصدا عن ذكر اللّه وعن الصلاة . والقول بأنه لا يحرم منها قطعا الا ما كان من عصير العنب ، وأنه انما يحرم القدر المسكر منه فقط . يجرئ الناس على شرب القليل من تلك السموم المهلكة ، والقليل يدعو إلى الكثير فالادمان فالاهلاك ، ففي هذا القول مفسدة عظيمة ، وليس في تضعيفه وترجيح قول جمهور السلف والخلف عليه الا المصلحة الراجحة ، وسد ذرائع شرور كثيرة وأما الميسر فهو في أصل اللغة القمار بالقداح في كل شيء كما نقله لسان العرب عن عطاء ثم غلب في كل مقامرة . وقد بينا الأقوال في اشتقاقه في تفسير آية البقرة ( ص 332 ج 2 ) وبينا هنالك معنى القداح التي كانوا يتقامرون بها وهي